محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
611
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
المدينة ما بين لابتيها ؛ عضاهها وصيدها ، لا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يقطع فيها شجر إلّا لعلف بعير . » قال محمّد بن جرير : الأولى الجمع بين الروايتين ، وأنّ مكّة كانت محرّمة جعلها اللّه حرما آمنا حين بنيت ، وجعلها اللّه حرما آمنا حين جدّدت ، وذلك على لسان خليله إبراهيم - عليه السلام - تشريفا له بذلك التحريم وتكليفا على من بعده أن لا يختلي خلاها ولا يعضد شجرها . الأسرار قال الطائفون بالبيت الحرام حقّا والعاكفون فيه صدقا : إنّ للّه تعالى في الأمكنة مكانا مخصوصا هو بيته المحرّم ، وفي الأزمنة زمانا مخصوصا هو شهره المحرّم ، وفي الأشخاص شخصا مخصوصا هو عبده المحرّم ؛ وكما جعل البيت مثابة للراجين ومأمنا للخائفين فكلّ من يرجو خيرا ويتمنّاه ثاب إليه ، وكلّ من يخاف شيئا ويتوقّاه أمن فيه ، كذلك جعل ذلك الشخص المخصوص مثابة لمن يرجو خيره ومأمنا لمن يخاف سطوته وشرّه ، ولذلك ورد في الخبر : « وإنّ قدر المؤمن عند اللّه أعظم منك بسبعين مرّة » فإذ قرّر الإمامة في عقب إبراهيم - عليه السلام - عقّب ذلك بذكر البيت الذي رفع قواعده ليكون التأليف بين المتعيّن قبلة للناس وبين المتعيّن إمامة للناس على وتيرة واحدة وميزان واحد . وسرّ آخر : أنّ إبراهيم - عليه السلام - رفع قدما بصدق ووضع قدما بإخلاص ؛ فبقي أثر قدمه إلى يوم القيامة كرامة له ، وأمر الناس بالتوجّه إليه مكافأة عليه ؛ فيعرف أن لا يضيع عند اللّه قدم صدق ولا يضيع أجر المحسنين ، وكذلك الكلمات التي تنفّس بها رفع بصدق ووضع بإخلاص ، وقد بقيت آثارها إلى يوم القيامة ؛ ولذلك أمرنا بالصلاة على النبيّ صلاة دائمة بركتها إلى يوم الدين ( 246 ب ) كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ فلا يعتقد أنّ آثار قدمه قد درست ، ولا آثار كلمته قد طمست ؛ فهي باقية إلى يوم يبعثون ؛ وبقاؤها بأن يكون ذرّيّة بعضها من بعض ، لا يقطع وصلها ، ولا يستأصل أصلها ، ولا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ومن دخله كان آمنا ، ومن لجأ إليه صار سالما . وسرّ آخر : في التأويل : البيت رجل من الرجال مثابة للناس من الضلالات ومأمن من